السيد عباس علي الموسوي
316
شرح نهج البلاغة
( ولا أعلم جنة أوقى منه ) من عرف ثواب الوفاء وأجره وإنه مصداق من مصاديق الطاعة للهّ وعرف أن طاعة اللّه تأخذ بيد الإنسان الوفي إلى الجنة عرف أنه من أشد الأمور وقاية من النار وحجابا عنها وهو ترغيب في الوفاء وحث عليه لما فيه من التزام بأوامر اللّه وتكاليفه التي التزم بها الإنسان وعليه الوفاء بها وتطبيقها . . . ( وما يغدر من علم كيف المرجع ) من عرف الآخرة والحساب وإن هذا الإنسان سوف يرجع إلى اللّه ليوفيه حسابه ويعطيه جزاءه ثوابا وعقابا لم يغدر أبدا بما أعطى من العهود والمواثيق ولا يخالفها أو ينقضها بل يلتزم بها وينفذها وإن أدت إلى ضرره أو خسارته . . . ( ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة ) . . علي عليه السلام زمانه وهو قد اختبره عن قرب وعاش في قلب الحركة الحياتية ووقف على مراحل الحياة وما يعترض سبيل الرجال . . عرف الرجال واختبرهم في المواقف وفي الحديث وفي الصبر وفي الولاية وفي جميع مجالات الحياة فرأى أن أكثرهم استعمل فطنته ومهارته في الغدر ونكث العهد وعدم الوفاء بما يقطع على نفسه وقد أعدّ أهل الجهل ذلك التصرف منهم لباقة ودراية في شؤون الحياة وكيفية اصطيادها والوقوف عليها ، فمن وصل إلى الزعامة والرياسة بالغدر والخيانة فهو الفطن اللبيب الواعي المدرك الملهم الذي يعرف كيف يعيش . . نسبوا إليه الذكاء وحسن التدبير والدراية وإن كانت كلها وليدة الغدر والخيانة . . . ( ما لهم قاتلهم اللّه قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونها مانع من أمر اللّه ونهيه فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدين ) . الحاجز هو تقوى الله : دعى عليهم لأنهم رموه بقصور في السياسة متجاهلين معرفته وما له من خبرة ودراية ولذا يضع هنا المبرر لسلوكه وسياسته كما إنه يرسم بذلك قانون السياسة الإسلامية . يقول إن المحنك المجرب الذي عاش تقلبات الحياة وتحولاتها وعرف ما فيها من أحداث ومشاكل ووقف على كل أسبابها ومسبباتها وشروط النجاح فيها والفشل هذا الإنسان يستطيع أن يقتطف ثمارها وينال رغباته منها ويحقق شهواته ولكن مع ذلك يحتاج لكي يحقق ذلك أن يتحلل من دينه ويتخلى عن معتقداته ويبيع شرفه وضميره . .